الخميس، 18 فبراير 2016

مفهوم العبادة في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المركز الإسلامي لمدينة بيليفيلد – ألمانيا

بتاريخ : 12- شعبان-1434هـ | 21-6-2013

بعنوان : مفهوم العبادة في الإسلام

الحمد لله الذي خلق الإنسان لعبادته، وهداه إلى طاعته، وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ليدله على السبيل الأقوم والطريق الأسلم؛ ليكون عابدا بحق ومؤمنا بصدق، ورضي الله عن الصحابة والتابعين أمناء دعوته، وناشرين رسالته .
أما بعد:
سؤالٌ يدور في فكر كل إنسان، لماذا خُلقتُ أو ما هي الغاية من خلقي، ويأتي الجواب القرآني باهرا ليدل الإنسان الحائر إلى معين الحقيقة فيقول عز وجلَّ : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
-لكن السؤال الأهم ماهي حقيقة العبادة ، وما السر في كونها غاية خلق الإنسان
-وهل العبادة في الإسلام مقصورة على الشعائر المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحج؛ أم أنه لها مفهوما أشمل من ذلك وأعم ؟؟
-وهل العبادة في الإسلام مقصودة لذاتها أم أنه يراد منها أمور أخرى..؟
-وهل العبادة هي عبارة عن مظاهر وطقوس أم لها جوهرا وماهية ... ؟
العبادة لغة؛ تعني الطاعة، والذل والخضوع. وهي عبارة عن نوع محدد من الخضوع لا يسْتحقُهُ إلا المُنعم..لذا يعرف الإمام ابن تيمية - رحمه الله - العبادة بأنها : "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" ومن أجل ذلك استحق المنعم المتفضل هذه العبادة وهو الذي أوجد المخلوقات وأبدعها، فنرى المسلم في كل ركعة لسانه ينطق هذه الحقيقة (إياك نعبد) من أجل أن تترجم إلى جوارحه وسلوكه في كل جوانبه وأطرافه ولهذا كانت حياة المسلم كلها - كما أرادها الله - عبادة خالصة له سبحانه في جميع جوانبها الخاصة والعامة ، والاعتقادية والعملية . . . فالمسلم عبد الله في كل تحرك وسكون {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]
وبذلك يحقق العبد ويتحقق بحق الله عليه وله.. كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل (يامعاذ أتدرى ما حق الله على عباده ) ؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم قال :( أتدرى ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك ؟). قال معاذ الله ورسوله أعلم .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (أن لا يعذبهم) ((البخاري وأحمد)) .
ليست العبادة في الإسلام، مقصورة على الشعائر المعروفة، بل إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات، ما دام قصد فاعله الخير لا تصيّد الثناء واكتساب السمعة الزائفة عند الناس. فكل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائراً، أو يعلم جاهلاً، أو يؤوي غريباً، أو يدفع شراً عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعاً إلى ذي كبد رطبة، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية .
أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمن، وشعب الإيمان، وموجبات المثوبة عند الله. وليست الصلاة أو الصيام أو الذكر والدعاء هي التي تكتب لك عبادة في يومك وتستوجب بها الأجر عند ربك. كلاّ إنك تستطيع في اليوم الواحد أن تضيف إلى ميزان عبادتك وحسناتك أشياء كثيرة، لها ثقلها وقيمتها في تقدير الحق تبارك وتعالى، وإن بدت عندك هينة خفيفة في الميزان .
من ذلك ما قاله رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم عن الإصلاح بين المتخاصمين. قال "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" (رواه أبو داوود والترمذي وابن حبان في صحيحه). وفي رواية "لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" (هذه الزيادة للترمذي)....ويقول عليه الصلاة والسلام في عيادة المريض وما لها من مكانة عند الله، لما فيها من تخفيف ومواساة "من عاد مريضاً ناداه منادٍ من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً" (رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه ورواه الطبراني بنحوه من حديث أبي هريرة) و"من عاد مريضاً لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها" (رواه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه) ..... وعن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "عُرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها، الأذى يماط عن الطريق" (رواه مسلم) إن عمل الإنسان في معاشه عبادة بشروط وأعجب من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله، من أبواب العبادة والقربات إلى الله، وإن لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية. فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهاداً في سبيل الله، إذا التزم فيه الشروط المشروعة كأن يكون العمل مباحا بعيدا عن الشبهات والحرام...والنية الصالحة؛ نية المسلم إعفاف نفسه، وإغناء أسرته، ونفع أمته، وعمارة الأرض، كما أمر الله. وأن يؤدي العمل بإتقان وإحسان. ففي الحديث "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" (رواه مسلم)، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه البيهقي في شُعب الإيمان عن عائشة).
وألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) المنافقون:9. وفي قوله تعالى (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) النور:37.
إذا راعى المسلم هذه الأمور كان في سعيه عابداً وإن لم يكن في محراب، مبتهلاً إلى الله وإن لم يكن في صومعة. "عن كعب بن عجرة قال: مر علي النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله .. لو كان هذا في سبيل الله؟ (أي الجهاد لإعلاء كلمة الله، وكان أفضل العبادات عندهم) فقال: إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (وقال المنذري: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).
ويخلع القرآن على السعي في مناكب الأرض، طلب الزرق، تسمية جميلة موحية برضا الله، فيسمي ذلك "الابتغاء من فضل الله" مثل قوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (الجمعة:10).
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في فضل الزرع والغرس وما يجلب لصاحبه من مثوبة عند الله "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (متفق عليه).ويعلن أن "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" (رواه الترمذي وحسنه).
وعلى ذلك؛ فإن كل عمل اجتماعيّ أو سياسيّ أو ثقافيّ أو تربويّ نافع يعد عبادة عند الله تعالى، وما أن يخلص المؤمن في عبادته لله، وفق هذا المعنى، حتى تصبح حياته جهادا في سبيل الله. ينطبق ذلك على أقلّ الأعمال وأكثرها في آن معا: فمساعدة الزوج زوجه في أعمال البيت عبادة، واللعب مع أطفاله عباده، وإطعام أهله من الرزق الحلال عبادة، وسيره إلى العمل ورجوعه منه عبادة، وذهابه إلى الجامعة ورجوعه منها= =عبادة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وتبسمه في وجه أخيه المسلم صدقة، ونظافة بدنه عبادة، وتلبية حاجته الجنسية في الحلال عبادة؛ ففي الحديث:
أنّ أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا!
فما الظن بكلّ عملٍ يمْسَحُ به المسلم دمعةَ محزون، أو يُخفِفُ به كُرْبةَ مكروب، أو يُضْمد به جراح منكوب، أو يسدُّ به رَمَقَ محروم، أو يشدُّ به أزرَ مظلوم، أو يُقيلُ به عثرةَ مغلوب، أو يقضي به دين مدين...إلخ؟! ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه: "رأيتُ ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الحسنةُ بعشر أمثالها والقرضُ بثمانية عشر"، لأنّ الأولى تطال فردا واحدا، أما القرض فلربما أدخل البهجة والسرور على أسر بأكملها، ولك أن تتخيل ما قد ينتج عن هذا الإقراض لشاب يريد أن يتزوج من عفة نفسه وزوجه، وفرحة أسرته وعائلة زوجه، وإتاحة الفرصة لتكوين أسرة يعمها الخير والأمن والسلام!
وفي ظل هذه التعاليم وفي شريعة الدين لا يجوز للمسلم، ولا يتصور منه، أن يكون عالة، ولا يتصور منه، أن يكون عبئا على غيره، أو على المجتمع، يأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويعتزل الناس والحياة باسم التفرغ للعبادة أو التبتل. بل يندفع بغير وازع خارجي إلى كل ميادين الحياة منتجاً متقناً متفوقاً، وهو يوقن أنه في صلاة وجهاد. ((رأى عمر بن الخطاب رجلا معتكفا في المسجد فقال له من ينفق عليك، قال أخي...فقال له: أخوك خير منك))
ونجد بعضا من المتعبدين قد حولوا العبادة إلى طقوس وأشكال وغاب عنهم الجوهر والحقيقة فإذا ما نظرنا إلى انعكاس تلك الشعائر والعبادات إلى معاملاته لوجدنا أنه لا يحقق فيها شيئا مذكورا حيث لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر والبغي! بل إن كثيرا منهم لا تذكره الأعياد الدينية برحم يجب وصلها، أو ببطون جائعة يجب إطعامها، ولا بأجساد عارية يتعين كساؤها، ناهيك بمظلوم يبحث عن سند له في مواجهة ظالم أقوى منه! أو بمسكين تكفيه اللقمة  فلا يجدها!
ولاشك أنّ الإسلام ليس أفعالا تعد على الأصابع من دون زيادة أو نقصان؛ وإنما هو صلاحية الإنسان للسير في الحياة بينما هو يؤدي رسالة محددة، رسالة الاستخلاف في الأرض وعمارتها. فكما يقول الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، فإنّ لكل آلة صلاحية ما، فصلاحية الطائرة للانطلاق، وصلاحية المدفع للقذف، وصلاحية القلم للكتابة، وهذه الصلاحيات هي مناط الحكم على قيمة الأشياء فإذا اطمئننا إلى وجودها [الصلاحية] قبلناها ورجونا ثمرتها. كذلك الإنسان، يريد الإسلامُ أن تسْتقيمَ أجهزتُهُ النفسية أولا؛ فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة: بصدق اليقين، وسلامة الوجهة، فإن كل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة لله. ففي شؤون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهي عنده ولا رسم تخرج فيه، إنما هو إسلام الوجه لله وإصلاح العمل والبلوغ به حد الكمال .
ومن أجل ذلك ترتبط شمولية العبادة في الإسلام بالإنسان ارتباطا مباشرا من أجل أن تحقق له توازنه الداخلي المنشود، وهذا النظام ليس مقصورا على الصلاة والزكاة والصيام والحج فحسب، بل إنه نظام منفتح على الكون وشامل لكل حركة، ولكل فكر، ولكل شعور، إنه نظام عبادي ومنهج رباني شمل حركة الحياة بأسرها واحتوى كل جزء فيها احتواء يحقق له الانسجام مع نفسه ومع سائر الأجزاء الأخرى، وتجعله يتحقق بالإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بأنّ شرف المؤمن حقا هو أنْ يأمُرَ بالمعروف وينهى عن المنكر ويسعى لهداية الناس في أمور دينهم ودنياهم. وأنْ يحْمِلَ على عاتقه مهمة تبليغ رسالة الإسلام، وهو على أتم إدراك أنّ جوهرها الحي إنما يكمن في إخراج الناس من الظلمات إلى النور . اللهم اجعلنا من عبادك الصادقين، الذين عرفوك فعبدوك وأحبوك فأطاعوك، واجعلنا متمثلين منهج كتابك وسنة نبيك وهدي السلف الصالح يارب العالمين....أمين والحمد لله رب العالمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق