الخميس، 18 فبراير 2016

Gerechtigkeit


Lob sei dem Herrn der Welten, und das beste Gebet und der vollkommenste Gruß gehört unserem Propheten Muhammad, seiner Familie, seinen Gefährten und alle, die ihm folgen.
Allah der Erhabene sagt: „Oh ihr Gläubigen setzt euch für Allahs Befehl ein, seid gerechte Zeugen, und auch die Schlechtigkeit mancher Leute soll euch davon abhalten, gerecht zu sein. Seid gerecht, das kommt der Gottesfurcht am nächsten … und fürchtet Allah, denn Allah weiß, was ihr tut.“(5,8)

Zu diesem Vers gibt es einen Anlass: Der Gesandte Allahs schloss, als die Götzengläubigen die Muslime den Zugang zum heiligen Haus in Mekka verwehrt haben, trotzdem mit ihnen einen Friedensvertrag. Einige seiner Gefährten verstanden das überhaupt nicht und schlugen vor: „Lasst und diese Leute vertreiben, wie sie uns vertrieben haben“. In diesem Moment offenbarte Allah diesen Vers.

Allah sagt uns in dem Vers sinngemäß: „Wenn ihr mit jemandem streitet, dann lasst euch nicht zu blindem Hass verführen. Denn Hass lässt kein Haus auf dem anderen stehen und vernichtet alles. Passt auf, dass euer Recht in Betrug und Unrecht umschlägt, während ihr noch glaubt, dass ihr etwas Gutes tun würdet!
Das göttliche System befielt in jeder Situation Gerechtigkeit, sogar im Umgang mit den üblichsten Feinden.
Das gilt für alle gesellschaftlichen Beziehungen und beginnt in der Familie zwischen den Ehepartnern, unter Verwandte, Bekannten, Nachbarn usw. Sie alle sollen miteinander korrekt umgehen und nicht immer nur schlecht über den anderen denken und die guten Seiten zu ignorieren! Der Gesandte Allahs sagte: „Der Gläubige ist nicht ungerecht zu einer Gläubigen, wenn er eine Eigenschaft an ihr nicht mag, ist er mit einer anderen zufrieden.“
Nicht selten sind familiäre Krisen und Scheidungen darauf zurückzuführen, dass die Ehepartner immer nur die negativen Seiten ihrer Ehepartner und Familienangehörigen sehen und auch bei Kleinigkeiten nachtragend sind.
Das gilt auch für Freunde und überhaupt die Gesellschaft. Ein falsches Wort kann dazu führen, dass Bekannte oder Freunde jahrelang nicht mehr miteinander sprechen oder sich gegenseitig das Schlechteste wünschen! Und wenn sie darauf angesprochen werden, bringen sie kein Lob über diesen Menschen über ihre Lippen.
Das widerspricht der islamischen Denkweise.

Ein Grund für Ungerechtigkeit ist die Bildung von Klischees und Vorurteilen. Z. B. sprechen manche Leute über ein bestimmtes Land, als ob es eine Eigenschaft habe, und glauben dieses Gerede auch noch selbst! „Die Syrer sind so und so“, „die Araber sind so und so“, sie „Christen sind so und so“ usw.

Wie oft hast du es erlebt, dass jemand denjenigen, mit dem er Streit hat, lobt? Leider viel zu selten, oder?
Vielleichthaben wir andere Lebenseinstellungen, vielleicht denken wir anders, vielleicht sprechen wir eine andere Sprache oder haben eine unterschiedliche Hautfarbe … aber müssen wir uns deswegen gegenseitig beschimpfen und beschmutzen?
Hat uns der Gesandte Allahs – s.a s. nicht den Heuchler unter anderem damit beschrieben, dass er zu einem Unmensch wird, wenn er streitet.

Lasst uns ab jetzt nicht mehr in Falle gehen, aber das geht nur, wenn wir Allah aufrichtig darum bitten, dass er uns noch gerechter macht.

Einmal war sich Imam Schafii in einer Schariafrage mit einem anderen Gelehrten nicht einig. Sie diskutierten sehr lange und wurden immer aggressiver. Als sie dann irgendwann endlich das Diskutieren aufhörten und ihrer Wege gingen, drehte sich der Imam Schafii zu seinem Diskussionspartner um, nahm ihn an der Hand und sagte: „Wir können unterschiedlicher Meinung sein und dennoch Freunde bleiben!“

منهج الحِجاج في القرآن الكريم "دراسة في أصول المحاجة"

خطبة البحث* : الحمد لله ذي النَّعماء السابغة, خَلق الإنسان وعلمَّه البيان, وأنزل كتابا حُجَجُهُ بَالغة, تَقذِفُ بالحقِّ على الباطلِ فإذا هي دامغَة, والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم السائغة, الذي ابتعثَه الله ليهدي الناس الرائغة إلى جادة الدين اللائقة, ثم الرضا عن الصحب والآل الذين جاهدوا في سبيل الله بألسنتِهم ذَوي الحُجَجِ الواتغة .
وبَعدُ :
فَقَدْ عرَفَ الفِكرُ الإسلاميُّ في فَتَراتٍ مُختَلفَةٍ فُنوناً مِنَ الجَدلِ والمناظَرةِ والخِلافِ, في شتَّى العُلومِ والمَعارفِ, حتى إنَّ عِلماً قَائِمَ الذَّاتِ نَشأَ مِنَ الخِلافِ حَولَ أُصُولِ الاعتقاد, وكانَ ممَّا يُطلَبُ مِنَ المُنتَمينَ إليهِ؛ أنْ تَكونَ لَهُم قُدرَةٌ عَلى المُخاصَمَةِ, والمُقَارعَةِ, والظُّهورِ على الخَصْمِ بالحُجَّةِ؛ لِبيانِ فَسادِ رَأيهِم وتَهافُتِ مُعتَقَدِهِ, وهو ما يسمَّى بِعلمِ الكَلام, الَّذِي رَأى فِيهِ أنْصارهُ أحكَمَ أداةٍ للذَّبِّ عَن العَقيدةِ وتَخليصِهَا مِن دَرَنِ الشِّركِ . حتى قالوا: "لولا الكلامُ لَمْ يَقُمْ للهِ دِينٌ, ولَم نَبِنْ مِنَ المُلحِدين (...)ولا بَانَتِ الحُجَّةُ مِنَ الحِيلَة والدَّليلُ مِنَ الشُّبهَة "([1]) .
وانطلاقاً من هذا الوعي جاء عكوفُ الكثيرين على دراسة الحجَّة وأقسامها ومعانِيها ودِلالاتها, فكان النِّتاجُ علوماً شتَّى تندرج تحت ما يسمى بعلوم المنطق والاستدلال .
والحجَّة في أجلى معانيها تقومُ عَلى إثبات صِحَّةِ الدعوى أو نَفيُ البُطلانِ عنها, إذ هي تَقومُ مَقامَ الدَّليلِ وتَسدُّ مسَدَّه كَما يصرِّحُ بِذلكَ الجُرجَاني في تَعريفاته([2]), لكنَّ الأمر الذي آلت إليه تلك الدراسات جدُّ محيِّرٍ, ومنبعُ هذه الحيرةِ في اقتصارها على دراسة مقابلةِ الحجةِ بالحجة, وما ينتج عَن تلك المقابلةِ من أشكالٍ وصورٍ دونَ ما تتركُ من أثرٍ أو ما تَؤمُّ من غاية, وهذا يؤول بنا إلى طرح السؤال الآتي: أليست الغاية من الحجَّة هي الحمل على الفعل بعد إثبات الصحة أو عكسُ ذلكَ ؟. وإذا كانت كذلك فإنِّ هذا يعني أن غرضَ الحجةِ هو الأساسُ الذي من أجلهِ تمَّ بناؤهَا, فلمَ العزوفُ عن الغايةِ وقصرُ الاهتمامِ بالشكلِ طالما أنهُ لها عِماد وهيَ لَهُ امتداد ؟
إنَّ قصرَ الاهتمام على أشكال الحجَّة وإحكامِ بنائهَا أنتجَ لنا جداراً يحولُ دونَ تحقق الغاية المرجوَّة منها؛ وهي إقناع المتلقي والحصولُ على استجابته, وما ذلك إلا لاصطباغها بالجانب المنطقي الصارم الذي همُّه الإلزامُ والإفحام, لاسيَّما وأنَّ هذا اللون غالباً ما يَبوءُ بالعقمِ كما هو حالُ إبراهيم عليه السلام مع النمروذ الذي بُهت لما حاجَّه . لذلك نجد التوجيه الإلهي للرسل أن يكون خطابهم ليِّناً, وأن يقولوا للناس حُسنا, وألا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن . وهذا المنهج حقيقٌ بالوصول إلى الغاية المنشودة .
وفي منتصف القرنِ الماضي ظهرَ تيارٌ في الغرب يحاول أن يعيدَ للحجَّة ألَقَها؛ أفضى من بين ما أفضى إليه إلى ظهور نظرية الحجاج التي تُعنى بـ "درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يَعرِضُ لها من أطروحات, أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم"([3]), وغايتها جعل العقول تذعن لما يطرح عليها من آراء, أو أن تزيد في درجة ذلك الإذعان, فأنجعُ الحِجاج ما وفِّقَ إلى جعل حدِّة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل المطلوب, أو هو ما وفِّق إلى جعل السامعين مهيئين للقيام بذلك العمل في اللحظة المناسبة"([4]) .
وقد كان توجهي لدراسة تلك النظرية من خِلال أصولِها المبثوثة في منهج القرآن, الذي شكَّل خطابه فضاءً تتحاور فيه العقول, وتتجادل فيه الأفكار, في محاجَّات لافتةٍ وشائقة, وأمسى خطابُه جاذباً معرفياً للعقولِ والقلوبِ معاً, فلا عجبَ إذن أن يستجيب له المخلصون, وأن يصيخوا إليه السمع , وأن يلتزموا قضاياه ويتَّبعوا شريعته .
وكان من حوافزي على الانشغالِ بمثل هذا الموضوع, هو البحث عمَّا يمكن أن يجلِّي تلكَ المسائل ويدرجها تحتَ عنوانٍ جامع, فكان أن اهتديتُ إلى هذا المصطلح الحادث "الحجاج" ورأيت فيه مجلىً معرفياً لما كنت أقصده من وراء هذه الدراسة . 
والغايات التي أمَّها هذا العمل ثلاث, إحداها مترتبةٌ على الأخرى ترتب النتيجة على السبب, فصيَّرت كلَّ غايةٍ فصلاً مستقلاً تمَّ من خلاله إثباتها, فكانت الغاية الأولى: إثباتَ أنَّ للحِجاج مفهوماً أوسعَ منَ الجدل, وعدمَ قصرِ دراسة هذا الجانب من الإقناع على المفهوم الجدلي الذي وجدَ عِنايةً كبيرةً بين كَثيرٍ من الدارسين في القديم والحديث . والغايةُ الثانية: أنَّ الخطابَ القرآني خطابٌ حجاجي, وكونَّه حجاجياً لا ينفي بطبيعةِ الحالِ وجودَ معانٍ أخرى كثيرةٍ وقفَ عليها المفسِّرونَ والمتأولَةُ أو يمكن أن يقفُوا عليها . أما الغاية الثالثة: فقصدتُ بها التوكيدَ على أنَّ الحجاجَ كان ولا يزالُ أحدَ أهمِّ أشكال تقرير قضايا العقيدة .
وقد نهض البحث في منهجه على تتبع الآيات ذات الفحوى الحجاجي تتبعاً استقرائيا يُفضي إلى دراسة هذه الآيات دراسة نتوصَّل من خلالها إلى الوقوف على أهم أصول المحاجَّة المعتمدة في الخطاب القرآني . أمَّا خُطَّة البحث فقد هاءت على فصولٍ ثلاثةٍ, يتقدَّمُها على سبيل التوطئة والتمهيد؛ المقدمِّة لتشتمل على دَاعية البحث, وإشكاليته, وغاياته, ثم لِتوضِّحَ سببَ اختيار البحث ومنهَجَه وخُطَّتَه .  
ثمَّ كانَ الفَصلُ الأوَّل: (مُدْخَلٌ إلى علم الحِجاج) في مباحث ثلاثة, دارت على تعريف واستعمال "الحجاج" وتاريخه, فكان أوَّلُها حول تعريف الحجاج في اللغة والاصطلاح, وبيان المصطلحات ذات الصلة . وثانيها: استعمال القرآن لمصطلح الحجاج . واشتمل آخرُها على دراسةِ تأريخيةٍ للحِجاج وتطوره .
أمَّا الفصل الثاني: (أركان الحِجاج القرآني), فعُنِيَ بدراسة أركان الخطاب من خلال أربعةِ مباحثَ رئيسة : 
عرض أوَّلُها للركنِ الأول : المخاطِب, وقد وضَّح تنوعَ المخاطِبِ إلى أصلٍ, وهي الذاتُ القائلة جل وعلا, وبشرٍ مبلغٍ r, ورمزٍ تنوَّعَت أحوالُه . 
ثم عرض المبحث الثاني الركنَ الثاني: المخاطَبُ, وكان أيضاً بين مخاطَبٍ أصلٍ وهو الإنسان على امتداد زمانه واختلاف مكانهِ, ومخاطَب أوَّليٍ وهم من نزلَ الخطاب بين ظهرانِيهم, ومخاطَبٍ مثالي باعتبار حالِ سامع الخطاب . 
وجاء الركنُ الثالثُ : الخِطابُ, وقد انبَسطَ في مطلبين: الأول منهما من حيث المفهوم, والآخر من حيث الأسلوب . 
ثم جاء الركنُ الرابعُ : فعُنيَ ببيانِ غاية الخطاب القرآني, ونظَمهَا في ثلاث غاياتٍ كبرى متلاحمة, فكان منها غاية بيانية, وغاية هدائيةٌ, وغايةٌ رحمويَّة على ما فصَّله البحث في محله. 
أمَّا الفصل الثالث: (قضايا الحجاج القرآني "الاعتقاد نموذجاً") فقد جاء ليستَجليَ قضية الاعتقاد من زاوية حجاجية وقد كان ذلك في مباحثَ ثلاثة : 
جاء أولها موضِّحاً مفهوم الاعتقاد ومبيناً أهمَّ قضاياه التي انتظمت في ثلاث قضايا كبرى, وهي: (الله – الرسول – اليوم الآخر) . 
ثم جاء المبحث الثاني ليبيِّنَ موضوع الحجاج ومحَلَّه في القضايا السابقة الذِكر, وقد دار موضوع كلِ قضية بين الإثبات والنفي . 
وجاء المبحث الثالث ليُشِيرَ إلى أبرز مظاهر الحجاج القرآني, ومن ثَمَّ ليُعنى بأهمِّ هذه المظاهر -من حيث تناسبها مع القضايا- وهو الحجاج بالمقتضى, على ما فصَّله البحث في مَحلِّهِ .   
ثم كانت الخاتمة: عرضاً لأهمِّ النتائجِ المستخلصة من البحث, والتوصيات التي خلَصَ إليها الباحث.
وتداركاً لما قد يجده القارئ في بعض المباحث من لَبْسٍ أو تقصير, فقد زيَّلت البحث بطائفة من المكملات والملاحق البيانية, منها:
أوَّلا: ملخَّصٌ عن البحث باللغة العربية والإنكليزية والفرنسية .
ثانياً: كشفٌ بالكتب التي عُنيت بدراسة ذلك الموضوع في التراث الإسلامي حتى القرن العاشر الهجري .
ثالثاً: مشجَّرٌ تصدر كلَّ فصل من فصول هذه الرسالة لأدلِّل به على الترابط والتعاضد القائم بين أصول البحث وفروعه .
وأسأل الله أن يجعل هذه المناقشة محلَّ فائدة علميةٍ لي ولجميع الحاضرين الأكارم .
"رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ"
                                                    والحمد لله رب العالمين .
  

 * هذه الخطبة ألقيت بتاريخ 2-10-2010 في جامعة الجنان تمهيدا لمناقشة رسالة الماجستير في العقيدة . 
([1])  الجاحظ : الرسائل , تحقيق عبد السلام محمد هارون , مصر ج4, ص246

([2]) انظر, الجرجاني: التعريفات, تعريف الحجة, ص112

([3])  انظر: عبدالله صولة : الحِجاج أطره ومنطلقاته وتقنياته, ص 301

([4])  المرجع نفسه, ص 308

مفهوم العبادة في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المركز الإسلامي لمدينة بيليفيلد – ألمانيا

بتاريخ : 12- شعبان-1434هـ | 21-6-2013

بعنوان : مفهوم العبادة في الإسلام

الحمد لله الذي خلق الإنسان لعبادته، وهداه إلى طاعته، وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ليدله على السبيل الأقوم والطريق الأسلم؛ ليكون عابدا بحق ومؤمنا بصدق، ورضي الله عن الصحابة والتابعين أمناء دعوته، وناشرين رسالته .
أما بعد:
سؤالٌ يدور في فكر كل إنسان، لماذا خُلقتُ أو ما هي الغاية من خلقي، ويأتي الجواب القرآني باهرا ليدل الإنسان الحائر إلى معين الحقيقة فيقول عز وجلَّ : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
-لكن السؤال الأهم ماهي حقيقة العبادة ، وما السر في كونها غاية خلق الإنسان
-وهل العبادة في الإسلام مقصورة على الشعائر المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحج؛ أم أنه لها مفهوما أشمل من ذلك وأعم ؟؟
-وهل العبادة في الإسلام مقصودة لذاتها أم أنه يراد منها أمور أخرى..؟
-وهل العبادة هي عبارة عن مظاهر وطقوس أم لها جوهرا وماهية ... ؟
العبادة لغة؛ تعني الطاعة، والذل والخضوع. وهي عبارة عن نوع محدد من الخضوع لا يسْتحقُهُ إلا المُنعم..لذا يعرف الإمام ابن تيمية - رحمه الله - العبادة بأنها : "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" ومن أجل ذلك استحق المنعم المتفضل هذه العبادة وهو الذي أوجد المخلوقات وأبدعها، فنرى المسلم في كل ركعة لسانه ينطق هذه الحقيقة (إياك نعبد) من أجل أن تترجم إلى جوارحه وسلوكه في كل جوانبه وأطرافه ولهذا كانت حياة المسلم كلها - كما أرادها الله - عبادة خالصة له سبحانه في جميع جوانبها الخاصة والعامة ، والاعتقادية والعملية . . . فالمسلم عبد الله في كل تحرك وسكون {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]
وبذلك يحقق العبد ويتحقق بحق الله عليه وله.. كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل (يامعاذ أتدرى ما حق الله على عباده ) ؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم قال :( أتدرى ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك ؟). قال معاذ الله ورسوله أعلم .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (أن لا يعذبهم) ((البخاري وأحمد)) .
ليست العبادة في الإسلام، مقصورة على الشعائر المعروفة، بل إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات، ما دام قصد فاعله الخير لا تصيّد الثناء واكتساب السمعة الزائفة عند الناس. فكل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائراً، أو يعلم جاهلاً، أو يؤوي غريباً، أو يدفع شراً عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعاً إلى ذي كبد رطبة، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية .
أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمن، وشعب الإيمان، وموجبات المثوبة عند الله. وليست الصلاة أو الصيام أو الذكر والدعاء هي التي تكتب لك عبادة في يومك وتستوجب بها الأجر عند ربك. كلاّ إنك تستطيع في اليوم الواحد أن تضيف إلى ميزان عبادتك وحسناتك أشياء كثيرة، لها ثقلها وقيمتها في تقدير الحق تبارك وتعالى، وإن بدت عندك هينة خفيفة في الميزان .
من ذلك ما قاله رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم عن الإصلاح بين المتخاصمين. قال "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" (رواه أبو داوود والترمذي وابن حبان في صحيحه). وفي رواية "لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" (هذه الزيادة للترمذي)....ويقول عليه الصلاة والسلام في عيادة المريض وما لها من مكانة عند الله، لما فيها من تخفيف ومواساة "من عاد مريضاً ناداه منادٍ من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً" (رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه ورواه الطبراني بنحوه من حديث أبي هريرة) و"من عاد مريضاً لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها" (رواه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه) ..... وعن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "عُرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها، الأذى يماط عن الطريق" (رواه مسلم) إن عمل الإنسان في معاشه عبادة بشروط وأعجب من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله، من أبواب العبادة والقربات إلى الله، وإن لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية. فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهاداً في سبيل الله، إذا التزم فيه الشروط المشروعة كأن يكون العمل مباحا بعيدا عن الشبهات والحرام...والنية الصالحة؛ نية المسلم إعفاف نفسه، وإغناء أسرته، ونفع أمته، وعمارة الأرض، كما أمر الله. وأن يؤدي العمل بإتقان وإحسان. ففي الحديث "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" (رواه مسلم)، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه البيهقي في شُعب الإيمان عن عائشة).
وألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) المنافقون:9. وفي قوله تعالى (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) النور:37.
إذا راعى المسلم هذه الأمور كان في سعيه عابداً وإن لم يكن في محراب، مبتهلاً إلى الله وإن لم يكن في صومعة. "عن كعب بن عجرة قال: مر علي النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله .. لو كان هذا في سبيل الله؟ (أي الجهاد لإعلاء كلمة الله، وكان أفضل العبادات عندهم) فقال: إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (وقال المنذري: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).
ويخلع القرآن على السعي في مناكب الأرض، طلب الزرق، تسمية جميلة موحية برضا الله، فيسمي ذلك "الابتغاء من فضل الله" مثل قوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (الجمعة:10).
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في فضل الزرع والغرس وما يجلب لصاحبه من مثوبة عند الله "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (متفق عليه).ويعلن أن "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" (رواه الترمذي وحسنه).
وعلى ذلك؛ فإن كل عمل اجتماعيّ أو سياسيّ أو ثقافيّ أو تربويّ نافع يعد عبادة عند الله تعالى، وما أن يخلص المؤمن في عبادته لله، وفق هذا المعنى، حتى تصبح حياته جهادا في سبيل الله. ينطبق ذلك على أقلّ الأعمال وأكثرها في آن معا: فمساعدة الزوج زوجه في أعمال البيت عبادة، واللعب مع أطفاله عباده، وإطعام أهله من الرزق الحلال عبادة، وسيره إلى العمل ورجوعه منه عبادة، وذهابه إلى الجامعة ورجوعه منها= =عبادة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وتبسمه في وجه أخيه المسلم صدقة، ونظافة بدنه عبادة، وتلبية حاجته الجنسية في الحلال عبادة؛ ففي الحديث:
أنّ أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا!
فما الظن بكلّ عملٍ يمْسَحُ به المسلم دمعةَ محزون، أو يُخفِفُ به كُرْبةَ مكروب، أو يُضْمد به جراح منكوب، أو يسدُّ به رَمَقَ محروم، أو يشدُّ به أزرَ مظلوم، أو يُقيلُ به عثرةَ مغلوب، أو يقضي به دين مدين...إلخ؟! ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه: "رأيتُ ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الحسنةُ بعشر أمثالها والقرضُ بثمانية عشر"، لأنّ الأولى تطال فردا واحدا، أما القرض فلربما أدخل البهجة والسرور على أسر بأكملها، ولك أن تتخيل ما قد ينتج عن هذا الإقراض لشاب يريد أن يتزوج من عفة نفسه وزوجه، وفرحة أسرته وعائلة زوجه، وإتاحة الفرصة لتكوين أسرة يعمها الخير والأمن والسلام!
وفي ظل هذه التعاليم وفي شريعة الدين لا يجوز للمسلم، ولا يتصور منه، أن يكون عالة، ولا يتصور منه، أن يكون عبئا على غيره، أو على المجتمع، يأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويعتزل الناس والحياة باسم التفرغ للعبادة أو التبتل. بل يندفع بغير وازع خارجي إلى كل ميادين الحياة منتجاً متقناً متفوقاً، وهو يوقن أنه في صلاة وجهاد. ((رأى عمر بن الخطاب رجلا معتكفا في المسجد فقال له من ينفق عليك، قال أخي...فقال له: أخوك خير منك))
ونجد بعضا من المتعبدين قد حولوا العبادة إلى طقوس وأشكال وغاب عنهم الجوهر والحقيقة فإذا ما نظرنا إلى انعكاس تلك الشعائر والعبادات إلى معاملاته لوجدنا أنه لا يحقق فيها شيئا مذكورا حيث لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر والبغي! بل إن كثيرا منهم لا تذكره الأعياد الدينية برحم يجب وصلها، أو ببطون جائعة يجب إطعامها، ولا بأجساد عارية يتعين كساؤها، ناهيك بمظلوم يبحث عن سند له في مواجهة ظالم أقوى منه! أو بمسكين تكفيه اللقمة  فلا يجدها!
ولاشك أنّ الإسلام ليس أفعالا تعد على الأصابع من دون زيادة أو نقصان؛ وإنما هو صلاحية الإنسان للسير في الحياة بينما هو يؤدي رسالة محددة، رسالة الاستخلاف في الأرض وعمارتها. فكما يقول الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، فإنّ لكل آلة صلاحية ما، فصلاحية الطائرة للانطلاق، وصلاحية المدفع للقذف، وصلاحية القلم للكتابة، وهذه الصلاحيات هي مناط الحكم على قيمة الأشياء فإذا اطمئننا إلى وجودها [الصلاحية] قبلناها ورجونا ثمرتها. كذلك الإنسان، يريد الإسلامُ أن تسْتقيمَ أجهزتُهُ النفسية أولا؛ فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة: بصدق اليقين، وسلامة الوجهة، فإن كل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة لله. ففي شؤون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهي عنده ولا رسم تخرج فيه، إنما هو إسلام الوجه لله وإصلاح العمل والبلوغ به حد الكمال .
ومن أجل ذلك ترتبط شمولية العبادة في الإسلام بالإنسان ارتباطا مباشرا من أجل أن تحقق له توازنه الداخلي المنشود، وهذا النظام ليس مقصورا على الصلاة والزكاة والصيام والحج فحسب، بل إنه نظام منفتح على الكون وشامل لكل حركة، ولكل فكر، ولكل شعور، إنه نظام عبادي ومنهج رباني شمل حركة الحياة بأسرها واحتوى كل جزء فيها احتواء يحقق له الانسجام مع نفسه ومع سائر الأجزاء الأخرى، وتجعله يتحقق بالإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بأنّ شرف المؤمن حقا هو أنْ يأمُرَ بالمعروف وينهى عن المنكر ويسعى لهداية الناس في أمور دينهم ودنياهم. وأنْ يحْمِلَ على عاتقه مهمة تبليغ رسالة الإسلام، وهو على أتم إدراك أنّ جوهرها الحي إنما يكمن في إخراج الناس من الظلمات إلى النور . اللهم اجعلنا من عبادك الصادقين، الذين عرفوك فعبدوك وأحبوك فأطاعوك، واجعلنا متمثلين منهج كتابك وسنة نبيك وهدي السلف الصالح يارب العالمين....أمين والحمد لله رب العالمين .